تم اشتقاق العنوان على غرار مسرحية زياد الرحباني ’’فيلم أميركي طويل‘‘ والتي تناولت موضوع الطائفية اللبنانية في فترة الثمانينات. المسرحية التي تدور أحداثها في مستشفى للمجانين نزلاؤه من اللبنانيين المتأثرين بالأحداث الطائفية ، فتجد فيها نماذج مختلفة للشارع اللبناني آنذاك كالمصاب برهاب من التفجيرات وحواجز التفتيش العسكرية كما وتجد فيها من يخشى المسلمين بشكل عام إضافة لنموذج أرمني القومية أضاعت الحرب الطائفية هويته اللبنانية، ولنزلاء يتعاطون الحشيش هرباً من الواقع .
أخذت مساعي الطبيب لمعالجة المرضى منحى تبطيل أسباب المرض أي توضيح الواقع الطائفي للنزلاء ليتم تخريجهم من المستشفى محملين بنظرة معتدلة للواقع ( الأمر الذي لم يتم في نهاية المسرحية إلا بالضرب والتعذيب وغسيل الدماغ ) ولتحقيق ذلك عمل الطبيب على توضيح دور أميركا المباشر وراء التفجيرات للاستفادة من التوتر الطائفي اللبناني .
عبّر الطبيب عن فكرة المؤامرة الأميركية لزعزعة المنطقة لكنها فشل في إيجاد الرابط بين كره والدة أحد المجانين للدين الآخر والمتمثل بموقفها الريديكالي الحاد بعدم تأجير أي غرفة من غرف بيتها لأتباع الطائفة الأخرى . فالوالدة وبحسب أبنها لا تملك أي صلات أمريكية ومع ذلك فهي مشبعة بالطائفية فعن أي مؤامرة يتحدث الطبيب ؟
بمتابعة ردة الفعل على أحداث التفجيرات الأخيرة التي تمت في مصر ( التفجيرات ( بالجمع لا بالمفرد ) الموجهة لاضطهاد المسيحيين في مصر والعراق ) وجدت توجه كبير نسبياً يفضل تحليل الأحداث وتوضيح هوية الجهة الممولة للنزعات الطائفية انطلاقا من هوية "المستفيد الأول" من زعزعة الأمن في المنطقة ألا وهو الكيان الصهيوني أولاً والأنظمة العربية التي تحتمي بوجود اسرائيل وتبرر قمعها لشعوبها بناء على نظرية التحصين من مثل هذه الهجمات المماثلة. هل يوجد شك أن اميركا هي أكبر المستفيدين من القاعدة وبن لادن ؟ لم يمر في التاريخ أي حجة اباحت استباحة البلدان وفتح الخرائط امامها مثلما فعلت حجة الإرهاب. الحكام العرب يقمعون شعوبهم بحجة الارهاب الاسرائيلي الغاشم، واسرائيل تقمع وتبني المستوطنات بحجة الارهاب العربي المتمركز حولها والمستعد للانقضاض عليها والفتك بها بأي لحظة.
استفادة إسرائيل من هذه الأحداث الإجرامية لتبرر سلوكها الإجرامي أمر قد يغيب عن البعض منطقيته ،فأنا وأنت لا نستطيع إدراك خطورة هذه النقطة كوننا نرى في إسرائيل كيان مغتصب وجوده غير مبرر من أصله وبالتالي فإن جميع سلوكياته ككيان لا تحتاج لوقفة أمامها لإعادة تقيميها، لكن ولنفكر لحظة بالإنسان الأجنبي غير المعني بأبعاد قضية الوجود الإسرائيلي من عدمه، كيف سيرى هذه الأحداث وبأي منحى سيقيمها، الصورة التي ينقلها واقع اليوم من انعدام مستويات التعايش بين من يشتركون بحمل جنسية واحدة من سكان الوطن الواحد والتي وصلت تداعيتها على مستوى رفض الآخر مرحلة حرمه من حق الحياة بالقتل والتفجيرات! ناهيك عن لغة التخوين التي يحمله كل من الجهتين المسببة والمتضررة للحادثة .
هذا يقتل ذاك، وذاك يرد بالتوعد، الجميع يطبخ أحمض ما عنده واسرائيل تجلي الصحون والأنظمة العربية تزداد التصاقا بالكرسي لاعداد الوليمة التالية!
فالأقباط يتهمون الحكومة برعاية هذه الأحداث المتكررة بشكل ملفت للنظر خاصة في فترة الأعياد وأنها ( أي الحكومة ) لو أحسنت غلق قبضتها على التيار المتشدد لما حدث ما حدث، والمسلمون يروجون شعبياً وإعلاميا على أن الكنيسة في مصر تشكل حزبا سياسياً يخرج عن القانون المصري ويسعى لتقسيم مصر بإقامة دولة ضمن دولة، وهو أمر غير مقبول في أي دولة ذات سيادة حقيقية.
تفشي لغة التخوين هذه ووصولها لمرحلة تواتر عمليات التفجير والاغتيال المبني على الهوية الدينية يجعل من اليسير لا بل حتى من المنطقي جداً أن تقدم إسرائيل نفسها كدولة تمتلك قوة عظمى تستخدمها للدفاع عن نفسها في مواجه دول وتجمعات لا يعرف شعبها للتعايش قيمة، غير قادرين على احترام أحقية وجود بعضهم البعض على هذه الأرض. وبهذا المنطق تسوّق إسرائيل جميع أفعالها وجرائمها تحت بند الاستفادة من فرق القوة ليصبح مصطلح الدفاع عن النفس أقوى من فعل الإبادة الجماعية وإن كان الأخير واقعاً يقر الجميع بحدوثه فسيبقى مبرراً تحت بند الدفاع عن النفس، الحق الذي تقره جميع المعاهدات والقيم الإنسانية !
ومع ذلك وبالرغم من أن استفادة إسرائيل وأخواتها من سير الإحداث وفق هذا المنحى يفوق كل تصور، أعتقد أن الأحداث لم يكن هناك وجود لمساعٍ إسرائيلية فيها للعديد من الأسباب أهمها أن البعد المتطرف الإسلامي ( المحرك لهذه الأحداث بمجملها ) لم ينبع من مبادئ إسرائيلية بل مبني على تفاسير عقائدية إيمانية وبالتالي فمن الممكن أن يستمر بتغذية نفسه دون الحاجة ليد خارجيةتستمر بسقايته وتنميته. فعندما تغلق على شعبك كل منافذ التقدم والتحضر والانفتاح، وتستمر بالضغط عليه وكبته ونشر الإرهاب والرعب بين صفوفه، هل سيجد غير الدين منفذ لغضبه ومخلصاً له من هذا الحال!
فبعد أن تحورت المشكلة الأساسية لمشكلة طائفية، بعد ضمان إبعاد الأنظار حول الجهات المستفيدة أساساً من هذا المناخ غير المستقر في البلدان العربية، لم يعد من الحكمة معالجة المشكلة بالعودة لأسبابها، أي عين أم ستحجب عن ذرف الدموع لو خاطبتها بهوية المستفيد من قتل إبنها بناء على هويته الدينية؟
قبل حل المشكلة الأساسية، مشكلة تمويل الارهاب ودعمه وتدعيمه في بلداننا العربية، علينا حل مشكلة الأرضية الخصبة لتقبل هذا الفكر المتطرف ومحاولة جعلها غير قابلة لزراعة مثل هذه الأفكار فيها. محاولة خلق هوية وطنية حقيقية تعزل انتماء الأفراد الديني وتحترم عقائد الجديد أمر لن يتم في شرقنا غير المستقر إن لم يكن هناك مساعٍ حقيقية لفهم أصول هذه المشاحنات الطائفية. يجب أن يتم بدراسة موضوعية للفروق في الانتماء، المشكل لنقطة التفرقة والفصل في الصراع ، أي فهم المسيحية بأبعادها الحالية ( بعيداً كل البعد عن الإيمان والمعتقدات) بمعنى آخر إيجاد أجوبة متفق عليها للعديد من النقاط المبهمة مثل : هل تحمل المسيحية طابع التنظيم كعلامة مميزة بين معتنقيها؟ هل تكتل المسيحيون المشرقين يعتبر سلوكاً طبيعياً للأقليات تسلكه أي أقلية أخرى (بالمعنى العام للأقليات أي استثناء الأغلبية)، هل تتقاطع المسيحية كعقيدة مع الفكر التوسعي السياسي كأي تنظيم سياسي يسعى للحصول على السلطة وتسلم زمام الأمور والحكم ؟ من هو الآخر في الفكر المسيحي وما هي هرمية ترتيب البشر في المنظومة العقائدية المسيحية و كيف يتم التعامل مع الآخر وفق المفهوم المسيحي، أي ما هو موقف الدين من معتنقيه هل يضعهم في رأس هرمية البشر أخلاقياً واجتماعياً؟
بنفس الأمر علينا البحث في أصول الإسلام ( بعيداً كل البعد عن الإيمان والمعتقدات ) من ناحية الوجود السياسي ومساعيه ومن ناحية حقيقة التوجه السياسي وموقفه من السلطة والحكم للمنظومة البشرية، أي هل هو معني بأمور السلطة ويسعى لإثبات ذاته وفرض شرائعه وسلوكياته على الجميع أم هو منظومة عقائدية لا تملك مساعٍ توسعية سلطوية ؟ ما هي طريقة تعامل الفكر الإسلامي مع الآخر وبأي هرمية يتم تقيم مكانة المسلم بالنسبة لغير المسلم، هل هو في الأعلى والبقية دونه مستوى أم لا ؟ هل النصوص الدينية مسبب مباشر للأفعال الإرهابية أم مجرد غطاء يحتمي به المتطرفون ؟
البحث بموضوعية (وليس بحيادية) في النقاط السابقة قد يخلق حساسيات من نوع ما لكنه بكل تأكيد سيعمل على تقريب وجهات النظر ليصبح كل طرف على دراية واطلاع بثقافة الآخر ومدى تأثير هويته الدينية عليه باعتبار أن الهوية الدينية في الشرق تشكل علامة فارعة، وعلى الأقل مهما كانت قيمة الحساسيات التي ستنتج عن البحث في مثل هذه النقاط لن يصل أحد ما إلى مرحلة التكفير أو التخوين أو الشعور بالاضطهاد بل ستكون هناك أرضية متينة نوعا ما كونها مبنية على فهم الآخر كما هو وبذلك اعتراف به كما يعرّف عن نفسه لا كما يتم إطلاق الألقاب عليه .
مع أن التجربة السورية تعتبر حتى هذه اللحظة الأنجح في التعامل مع الفكر المتطرف بطريقة قمعية، إلا أن المراهنة على وقوف هذا النسيج المتمازج وحيداً في وجه تجارب مماثلة يعتبر مغامرة كبيرة لا يحسب نتائجها، فالقمع لا يولد إلا المزيد من التطرف والكبت والاحتقان، لتنغلق دائرة التغذية للأفعال المحتقنة والمكبوتة وتصبح الطريقة التي تمارس فيها جرءاً جديدا من المشكلة ومسببا آخر لها.
فالأمل بواقع أفضل فيه من الوعي ما يكفي للحصول على الحرية في التعبير عن الأفكار والوجود والمعتقدات أمر يجب أن يبقى حياً في ذاكرتنا وكياننا. والمراهنة على قدرة التنوع الثقافي الخاص بالمجتمع السوري للوقوف وحده في وجه أزمات مماثلة في المستقبل يعتبر فعلا غير مسؤول، فاحترام الآخر في سوريا لا يتم زرعه في الثقافة الشعبية ( الأيديولوجية المتعارف عليها ) بل هو أشبه للضرورة والواجب، نحن الآن في مرحلة من التعايش الديني المشترك المفروض بطريقة أو بأخرى لضمان سلامة نسيجنا الاجتماعي ولضمان حفاظنا على الامتياز الذي نفتخر به ونعتز بوجوده، علينا مسؤولية العمل للانتقال من مرحلة التعايش إلى مرحلة العيش، عندها سنكون وبشكل حقيقي أبناء وطن واحد لا نحترم الآخر وحسب بل ندافع عن حقه في الوجود .
لا أريد الدخول في أحداث مصر الدامية فلا دمعة ولا كلمة يستوفيان شرح ألمي
سأبقى من بعيد متأملاً وحشية مثل هذه الأفعال
متألماً لحال من دخلت حياته بنفق مظلم بعد فقدانه لإنسان عزيز على قلبه دون ذنب اقترفته يداه
متمنيا أن تبقى سوريا والسوريون جميعا سالمين معافين من أي عمل إرهابي لا يعترف بعظمة الحياة وجمال لوحتنا متعددة الألوان .
راجيا أن يثبت المسيحيون على رجاءهم بالمخلص الذي غلب العالم بالكلمة والذي أوصاهم ألا يعيشوا بقوة المحبة فحسب بل أن يكونوا مصدرا مشعاً لقوة الحب الإيجابي agape يواجهون بها قوة الكره eros المعادية لهم فيحضنون الكره ويمحونه بحبهم الحقيقي .
 |
اعطني السلام يا اخي.. ويميني ممدودة اليك ويمينك ممدودة إلي .
|